محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي
265
الآداب الشرعية والمنح المرعية
وإن استفرغ بدواء تأذى البدن به إما بسمنة أو لإخراجه صالحا منتفعا به وقد يضر بكيفيته بأن يسخن بنفسه أو بالعفن أو يبرد بنفسه أو يضعف الحرارة الغريزية عن إنضاجه والحركة أقوى الأسباب في منع تولد ذلك لأنها تسخن الأعضاء وتسيل فضلاتها فلا تجتمع وتعود البدن الخفة والنشاط وتجعله قابلا للغذاء وتصلب المفاصل وتقوي الأوتار والرباطات . وتؤمن جميع الأمراض المادية وأكثر المزاجية إذا استعمل القدر المعتدل منها في وقته وكان باقي التدبير صوابا ووقت الرياضة بعد انحدار الغذاء وكمال الهضم ، والرياضة المعتدلة هي التي تحمر فيها البشرة وتربو ويتندى بها البدن فأما الذي يلزمها سيلان العرق فمفرطة . قال الأطباء : وكل عضو يقوى بالرياضة ، قال بعضهم : وخصوصا على نوع تلك الرياضة بل كل قوة فهذا شأنها فمن استكثر من الحفظ قويت حافظته ، ومن الفكر قويت قوته المفكرة ، قال بعضهم : ولكل عضو رياضة تخصه فللصدر القراءة فيبتديء فيها من الخفية إلى الجهر بتدريج ، ورياضة السمع بسمع الأصوات ، والكلام بالتدريج فينتقل من الأخف إلى الأثقل وكذلك رياضة البصر وقد سبق رياضة اللسان في الكلام . ورياضة المشي بالتدريج شيئا فشيئا وركوب الخيل ورمي النشاب والصراع والمسابقة على الأقدام رياضة البدن كله وهي قالعة لأمراض مزمنة كالجذام والاستقاء والقولنج . ورياضة النفوس بالتعلم والتأدب ، والفرح ، والصبر ، والثبات والإقدام والسماحة وفعل الخير ، وإذا تكرر ذلك مرة بعد أخرى صار عادة وطبيعة ثانية . وقد ذكر الأطباء أن العوائد طبائع ثوان ومن أبلغ ذلك وأنفعه الجهاد والصلاة والصيام والحج وقد سبق هذا المعنى قبل فصول الأمر بالمعروف في الكلام على دعوة ذي النون وتضمنه علاج زوال الهم والغم وغير ذلك ويأتي الكلام في الصبر نحو نصف الكتاب قبل الكلام في حسن الخلق والزهد وسبق الكلام في الصوم والجوع في ذكر الحمية . وفي الصحيحين عن أبي هريرة يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم قال : " يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم ثلاث عقد إذا نام يضرب على كل عقدة : عليك ليل طويل فارقد ، فإذا استيقظ فذكر الله انحلت عقدة ، فإذا توضأ انحلت عقدتان فإذا صلى انحلت العقد فأصبح نشيطا طيب النفس وإلا أصبح خبيث النفس كسلان " " 1 " قافية كل شيء آخره ومنه قافية الشعر . وهذه العقد قيل حقيقة كعقد السحر وقيل هو قول يقوله ، وقيل هو فعل يفعله ، وقيل هو من عقد القلب وتصميمه فكأنه يوسوس في نفسه ببقاء الليل ، وقيل هو مجاز كني به عن تثبيط الشيطان عن قيام الليل .
--> ( 1 ) أخرجه البخاري ( 1142 ) ومسلم ( 776 ) .